فصل: (القول الأول):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إظهار الحق (نسخة منقحة)



.(البرهان السابع):

فرقة البروتستنت ترد على فرقة الكاثلك في استحالة الخبز إلى المسيح في العشاء الرباني بشهادة الحس وتستهزئ بها، فهذا الرد والهزء يرجعان إليهما أيضًا لأن الذي رأى المسيح ما رأى منه إلا شخصًا واحدًا إنسانًا، وتكذيب أصدق الحواس الذي هو البصر يفتح باب السفسطة في الضروريات، فيكون القول به باطلًا كالقول بالاستحالة، والجهلاء من المسيحيين من أية فرقة من فرق أهل التثليث كانوا قد ضلوا في هذه العقيدة ضلالًا بينًا، ولا يميزون بين الجوهر اللاهوتي والناسوتي كما يميز بحسب الظاهر علماؤهم، بل يعتقدون ألوهية المسيح عليه السلام باعتبار الجوهر الناسوتي ويخبطون خبطًا عظيمًا.
نقل أنه تنصر ثلاثة أشخاص وعلمهم بعض القسيسين العقائد الضرورية سيما عقيدة التثليث أيضًا، وكانوا في خدمته فجاء محب من أحبَّاء هذا القسيس وسأله عمن تنصر؟ فقال: ثلاثة أشخاص تنصروا، فسأل هذا المحب: هل تعلموا شيئًا من العقائد الضرورية، فقال: نعم، وطلب واحدًا منهم ليرى محبه فسأله عن عقيدة التثليث، فقال: إنك علمتني أن الآلهة ثلاثة أحدهم الذي هو في السماء والثاني تولد من بطن مريم العذراء والثالث الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة، فغضب القسيس وطرده، وقال: هذا مجهول، ثم طلب الآخر منهم وسأله فقال: إنك علمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة وصلب واحد منهم فالباقي إلهان، فغضب عليه القسيس أيضًا وطرده، ثم طلب الثالث وكان ذكيًا بالنسبة إلى الأولين وحريصًا في حفظ العقائد فسأله فقال: يا مولاي حفظت ما علمتني حفظًا جيدًا وفهمت فهمًا كاملًا بفضل الرب المسيح أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد وصلب واحد منهم ومات فمات الكل لأجل الاتحاد، ولا إله الآن وإلا يلزم نفي الاتحاد (أقول) لا تقصير للمسؤولين فإن هذه العقيدة يخبط فيها الجهلاء هكذا ويتحير علماؤهم، ويعترفون بأنا نعتقد ولا نفهم، ويعجزون عن تصويرها وبيانها، ولذا قال الفخر الرازي في تفسيره ذيل تفسير سورة النساء: (واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدًّا) ثم قال: (لا نرى مذهبًا في الدنيا أشدّ ركاكة وبعدًا من العقل من مذهب النصارى) وقال في تفسير سورة المائدة: (ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فسادًا وأظهر بطلانًا من مقالة النصارى) فإذا علمت بالبراهين العقلية القطعية أن التثليث الحقيقي ممتنع في ذات اللّه فلو وجد قول من الأقوال المسيحية دالًا بحسب الظاهر على التثليث يجب تأويله، لأنه لا يخلو إما أن نعمل بكل واحد من دلالة البراهين ودلالة القول.
وإما أن نتركهما، وإما أن نرجح النقل على العقل، وإما أن نرجح العقل على النقل، والأول باطل قطعًا ولا يلزم كون الشيء الواحد ممتنعًا وغير ممتنع في نفس الأمر، والثاني أيضًا محال وإلا يلزم ارتفاع النقيضين، والثالث أيضًا لا يجوز لأن العقل أصل النقل فإن ثبوت النقل موقوف على وجود الصانع وعلمه وقدرته وكونه مرسلًا للرسل، وثبوتها بالدلائل العقلية، فالقدح في العقل قدح في العقل والنقل معًا، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل، والتأويل عند أهل الكتاب ليس بنادر ولا قليل لما عرفت في الأمر الثالث من المقدمة أنهم يؤولون الآيات الغير المحصورة الدالة على جسمية اللّه وشكله لأجل الآيتين اللتين مضمونهما مطابق للبرهان العقلي، وكذلك يؤولون الآيات الكثيرة الغير المحصورة الدالة على المكان للّه تعالى لأجل الآيات القليلة الموافقة للبرهان، وعرفت في الأمر الرابع والخامس أيضًا مثله مشروحًا لكن العجب من عقلاء الكاثلك ومَنْ تبعهم أنهم تارةً يبطلون حكم الحس والعقل معًا، ويحكمون أن الخبز والخمر اللذين حدثا بين أعيننا بعد مدة أزيد من ألف وثمانمائة سنة من عروج المسيح عليه السلام يتحولان في العشاء الرباني إلى لحمه ودمه حقيقة فيعبدونهما ويسجدون لهما، وتارةً يبطلون حكم العقل والبداهة وينبذون البراهين العقلية وراء ظهورهم، ويقولون: التثليث الحقيقي والتوحيد الحقيقي يمكن اجتماعهما في أمر واحد شخصي في زمان واحد من جهة واحدة، والعجب من فرقة البروتستنت أنهم خالفوهم في الأولى دون الثانية، فلو كان العمل على ظاهر النقل ضروريًّا وإن كان مخالفًا للحس والعقل فالإنصاف أن فرقة الكاثلك خير من فرقتهم لأنها بالغت في إطاعة ظاهر قول المسيح عليه السلام حتى اعترفت بمعبودية ما يصادمه الحس والبداهة، وكما أن أهل التثليث يغالون في شأن المسيح عليه السلام ويوصلونه إلى رتبة الألوهية فكذلك يفرطون في شأنه وشأن آبائه فيعتقدون أنه لعن وبعد ما مات نزل جهنم وأقام فيها ثلاثة أيامٍ كما ستعرف، وأن داود وسليمان عليهما السلام وكذا الآباء الآخرون للمسيح عليه السلام في أولاد فارض الذي ولدته تامارا بالزنا من يهوذا، وأن داود عليه السلام زنى بامرأة أوريا وأن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره كما عرفت.
وكان سيل من العلماء المسيحية، وكان قد حصل بعض العلوم الإسلامية أيضًا، وكان ترجم القرآن المجيد بلسانه وترجمته مقبولة عند المسيحيين وصَّى قومه في بعض الأمور، وأنقل وصيته عن ترجمته المطبوعة سنة 1836 من الميلاد: الأول: (لا يقع الجبر منكم على المسلمين، والثاني: لا تعلموهم المسائل التي هي مخالفة للعقل، لأنهم ليسوا حمقاء نغلب عليهم في هذه المسائل كعبادة الصنم والعشاء الرباني، لأنهم يعثرون كثيرًا من هذه المسائل، وكل كنيسة فيها هذه المسائل لا تقدر أن تجذبهم إلى نفسها) فانظر كيف وصى وأظهر أن مثل عبادة الصنم ومسألة العشاء الرباني مخالفة للعقل الإنصاف، إن أهل هذه المسائل مشركون يقينًا هداهم اللّه إلى الصراط المستقيم.

.الفصل الثاني: في إبطال التثليث بأقوال المسيح عليه السلام:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

.(القول الأول):

في الآية الثالثة من الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا قول عيسى عليه السلام في خطاب اللّه هكذا: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته) فبين عيسى عليه السلام أن الحياة الأبدية، عبارة عن أن يعرف الناس أن اللّه واحد حقيقي وأن عيسى عليه السلام رسوله. وما قال إن الحياة الأبدية أن يعرفوا أن ذاتك ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي وأن عيسى إنسان وإله، أو أن عيسى إله مجسم ولما كان هذا القول في خطاب اللّه في الدعاء فلا احتمال ههنا للخوف من اليهود فلو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لبينه، وإذ ثبت أن الحياة الأبدية اعتقاد التوحيد الحقيقي للّه واعتقاد الرسالة للمسيح فضدهما يكون موتًا أبديًّا وضلالًا بينًا ألبتة، والتوحيد الحقيقي ضد للتثليث الحقيقي كما عرفت مفصلًا في الفصل الأول، وكون المسيح رسولًا ضد لكونه إلهًا، لأن التغاير بين المرسِل والمرسَل ضروري، وهذه الحياة الأبدية توجد في أهل الإسلام بفضل اللّه. وأما غيرهم فالمجوس ومشركو الهند والصين محرومون منها لانتفاء الاعتقادين فيهم، وأهل التثليث من المسيحيين محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الأول، واليهود كافة محرومون منها لانتفاء الاعتقاد الثاني.

.(القول الثاني):

في الباب الثاني عشر من إنجيل مرقس هكذا(28 فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هي أول الكل (29) فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد (30) وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى (31) وثانية مثلها هي أن تحب قريبك كنفسك ليس وصية أخرى أعظم من هاتين (32) فقال له الكاتب جيدًا يا معلم بالحق قلت لأنه) أي اللّه (واحد وليس آخر سواه (33) ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح (34) فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له لست بعيدًا عن ملكوت اللّه). وفي الباب الثاني والعشرين من إنجيل متى في قوله عليه السلام بعد بيان الحكمين المذكورين هكذا: (بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس والأنبياء). فعلم أن أول الوصايا الذي هو مصرح به في التوراة وفي جميع كتب الأنبياء وهو الحق وهو سبب قرب الملكوت، أن يعتقد أن اللّه واحد ولا إله غيره ولو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لكان مبينًا في التوراة وجميع كتب الأنبياء لأنه أول الوصايا، ولقال عيسى عليه السلام: أول الوصايا الرب واحد ذو أقانيم ثلاثة ممتازة بامتياز حقيقي، لكنه لم يبين في كتاب من كتب الأنبياء صراحة ولم يقل عيسى عليه السلام هكذا فلم يكن مدار النجاة.
فثبت أن مدارها هو اعتقاد التوحيد الحقيقي لا اعتقاد التثليث، وهوسات التثليثيين باستنباطه من بعض كتب الأنبياء لا يتم على المخالف لأن هذا الاستنباط خفي جدًّا مردود بمقابلة النص، وغرض المخالف هذا أن اعتقاد التثليث لو كان له دخل ما في النجاة لبينه الأنبياء الإسرائيلية بيانًا واضحًا، كما بينوا التوحيد في الباب الرابع من كتاب الاستثناء- 35 (لتعلم أن الرب هو اللّه وليس غيره) 39 (فاعلم اليوم واقبل بقلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت وليس غيره). وفي الباب السادس من السفر المذكور 4 (اسمع يا إسرائيل إن الرب إلهنا فإنه رب واحد) 5 (حِب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك) وفي الباب الخامس والأربعين من كتاب أشعياء 5 (أنا هو الرب وليس غيري وليس دوني إله شددتك ولم تعرفني) 6 (ليعلم الذين هم من مشرق الشمس والذين هم من المغرب أنه ليس غيري أنا الرب وليس آخر). فالواجب على أهل المشرق والمغرب أن يعلموا أن لا إله إلا اللّه وحده لا أن يعلموا أن اللّه ثالث ثلاثة. وفي الآية التاسعة من الباب السادس والأربعين من كتاب أشعياء 2 (إني أنا اللّه وليس غيري إلهًا وليس لي شبه).
(تنبيه) حرّف صاحب الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 م قول المسيح عليه السلام بتبديل ضمير المتكلم بضمير الخطاب، وترجم هكذا: (الرب إلهك إله واحد) وضيع بهذا التحريف المقصود الأعظم لأن ضمير المتكلم ههنا دال على أن عيسى ليس برب بل عبد مربوب بخلاف ضمير الخطاب والظاهر أن هذا التحريف قصدي.

.(القول الثالث):

في الآية الثانية والثلاثين من الباب الثالث عشر من إنجيل مرقس قول المسيح عليه السلام هكذا: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب) وهذا القول ينادي على بطلان التثليث لأن المسيح عليه السلام خصص علم القيامة باللّه ونفى عن نفسه كما نفى عن عباد اللّه الآخرين وسوى بينه وبينهم في هذا، ولا يمكن هذا في صورة كونه إلهًا سيما إذا لاحظنا أن الكلمة وأقنوم الابن عبارتان عن علم اللّه وفرضنا اتحادهما بالمسيح وأخذنا هذا الاتحاد على مذهب القائلين بالحلول أو على مذهب اليعقوبية القائلين بالانقلاب فإنه يقتضي أن يكون الأمر بالعكس ولا أقل من أن يعلم الابن كما يعلم الأب، ولما لم يكن العلم من صفات الجسد فلا يجري فيه عذرهم المشهور أنه نفى عن نفسه باعتبار جسميته فظهر أنه ليس إلهًا لا باعتبار الجسمية ولا باعتبار غيرها.

.(القول الرابع):

في الباب العشرين من إنجيل متى هكذا: 20 (تقدمت إليه أم ابني زيدي مع ابنيها وسجدت وطلبت منه شيئًا) 21 (فقال لها ماذا تريدين قالت له قل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك) 22 (فأجاب يسوع) إلخ 23 (الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدلهم من أبي) انتهى ملخصًا فنفى عيسى عليه السلام ههنا عن نفسه القدرة وخصصها باللّه كما نفى عن نفسه علم الساعة وخصصه باللّه ولو كان إلهًا لما صح هذا.